الشيخ محمد رشيد رضا

441

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * ( 51 ) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ؟ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ : قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ؟ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ما تقدم من بيان الجزاء وحال أهل الجنة وأهل النار إنذار عام وموضوعه عام إلا أنه ألقي باديء بدء على أهل مكة ومن وراءهم من العرب فلهذا جوز المفسرون في ضمائر هاتين الآيتين أن تكون عامة تشمل الأمم السالفة ويكون الكتاب في الأولى منهما للجنس ، وأن تكون خاصة بهذه الأمة ، وموقعها مما قبلها على الوجهين واحد وهو بيان حجة اللّه على البشر كافة ، وإزاحة علل الكفار وإبطال معاذيرهم إن لم يستعدوا لذلك الجزاء بعد إنزال الكتب وإرسال الرسل ، والمختار عندنا الثاني . قال عز وجل : * * * ( وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي ولقد جئنا هؤلاء الناس بكتاب عظيم الشان ، كامل التبيان ، وهو الآن . فصلنا آياته تفصيلا على علم منا بما يحتاج اليه المكلفون من العلم والعمل لتزكية أنفسهم ، وتكميل فطرتهم ، وسعادتهم في معاشهم ومعادهم ، حال كونه أو لأجل أن يكون بذلك منار هداية عامة وسبب رحمة خاصة لقوم يؤمنون به إيمان اذعان يبعث على العمل بما أمر به والانتهاء عما نهي عنه ، وهو بهذا التفصيل العلمي حجة على من لا يؤمنون به إذا لم يهتدوا به ، ولم يرضوا لأنفسهم أن تكون أهلا لرحمته التفصيل عبارة عن جعل الحقائق والمسائل المراد بيانها مفصولا بعضها من بعض بما يزيل الاشتباه ، واختلاط بعضها ببعض في الافهام ، وليس معناه ذكر كل نوع منها على حدته ، ولا التطويل ببيان جميع فروعه ، ففي الآن تفصيل كل شيء نحتاج اليه في أمر ديننا : أسهب حيث ينبغي الاسهاب ، وأوجز حيث يكفي الايجاز .